السيد محمد باقر الصدر

97

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

فلو لم يكن لحركة اليد سبق واقعي وسببية موضوعية لحركة القلم لما أمكن اعتبارها علّة . وخامساً : أنّ التداعي كثيراً ما يحصل بين شيئين دون الاعتقاد بعلّية أحدهما للآخر ، فلو صحّ ل ( دافيد هيوم ) أن يفسّر العلّة والمعلول بأ نّهما حادثان ندرك تعاقبهما كثيراً حتّى تحصل بينهما رابطة تداعي المعاني في الذهن لكان الليل والنهار من هذا القبيل ، فكما أنّ الحرارة والغليان حادثان تعاقبا حتّى نشأت بينهما رابطة التداعي كذلك الليل والنهار وتعاقبهما وتداعيهما ، مع أنّ عنصر العلّية والضرورة الذي ندركه بين الحرارة والغليان ليس موجوداً بين الليل والنهار ، فليس الليل علّة للنهار ، ولا النهار علّة لليل ، فلا يمكن - إذن - تفسير هذا العنصر بمجرّد التعاقب المتكرّر والمؤدّي إلى تداعي المعاني كما حاوله ( هيوم ) . ونخلص من ذلك إلى أنّ المذهب التجريبي يؤدّي حتماً إلى إسقاط مبدأ العلّية ، والعجز عن إثبات علاقات ضرورية بين الأشياء ، وإذا سقط مبدأ العلّية انهارت جميع العلوم الطبيعية ؛ باعتبار ارتكازها عليه كما ستعرف . إنّ العلوم الطبيعية التي يريد التجريبيون إقامتها على أساس التجربة الخالصة ، هي بنفسها تحتاج إلى أصول عقلية أوّلية سابقة على التجارب ؛ ذلك أنّ التجربة إنّما يقوم العالم بها في مختبره على جزئيات موضوعية محدودة ، فيضع نظرية لتفسير الظواهر التي كشفتها التجربة في المختبر وتعليلها بسبب واحد مشترك ، كالنظرية القائلة : بأنّ سبب الحرارة هو الحركة استناداً إلى عدّة تجارب فُسِّرت بذلك ، ومن حقّنا على العالم الطبيعي أن نسأله عن كيفية إعطائه للنظرية بصفة قانون كلّي ينطبق على جميع الظروف المماثلة لظروف التجربة ، مع أنّ التجربة لم تقع إلّاعلى عدّة أشياء خاصّة ، أفليس هذا التعميم يستند إلى قاعدة ،